Page 157 - web
P. 157
الجريمة) إلى مفهوم (الإعلام الوقائي) ،فالأول يركز غالًًبا على
ماذا حدث؟ ومن قبض عليه؟ وما العقوبة؟ بينما يسأل الثاني تزداد أهمية الدور
الإعلامي في ظل
ISSUE No. 456 أسئلة أكثر أهمية للمجتمع :لماذا تحدث الجريمة؟ وكيف يمكن التحولات المتسارعة التي
يشهدها العالم ،والتطور
الوقاية منها؟ وكيف نحمي أبناءنا؟ وكيف نمنع الاحتيال؟ وكيف الكبير في وسائل الاتصال
والتقنية ،وظهور أنماط
نرسخ النزاهة؟ وكيف نرفع الوعي المالي والرقمي؟ جديدة من الجرائم لم تكن
معروفة بالصورة التي
وهذا التحول في فلسفة العمل الإعلامي يمكن أن يحدث
أثًًرا عميًًقا في المجتمع ،فالإعلام الناجح ليس الذي يحقق أعلى نراها اليوم
نسب مشاهدة عند وقوع الجريمة فقط ،وإنما الذي ينجح في الموثوقة ،وأن يعمل على تصحيح المعلومات الخاطئة ،وتوجيه
الجمهور إلى المصادر الرسمية.
منع وقوعها من الأساس ،أو يقلل من عدد ضحاياها ،أو يساعد
إن الإعلام في عصر المنصات الرقمية لم يعد ينتظر الجمهور،
الفرد على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. بل أصبح ينافس آلاف الرسائل والمقاطع والمنشورات التي تصل
إلى الفرد يومًًيا ،ولذلك فإن الرسالة التوعوية التقليدية الطويلة
إن مواجهة المخدرات والرشوة والاحتيال المالي وغسل الأموال قد لا تكون كافية وحدها ،بل يجب أن تتطور الأدوات الإعلامية
لتصبح أكثر إبداًًعا واختصا ًًرا وتأثيًًرا ،دون التفريط في الدقة
والجرائم الإلكترونية وغيرها من الجرائم تتطلب منظومة
متكاملة يكون فيها الإعلام شريًًكا أصياًلا ،فالأمن مسؤولية والمصداقية.
ومن المهم كذلك أن يكون الإعلام شريًًكا للجهات الأمنية
الجميع ،والوعي يمثل خط الدفاع الأول ،والإعلام هو أحد أهم والرقابية ،لا مجرد ناقل لبياناتها ،فالشراكة الحقيقية يمكن
أن تشمل إعداد خطط توعوية مشتركة ،وتحديد الجرائم الأكثر
الأدوات القادرة على صناعة هذا الوعي. انتشا ًًرا وتأثيًًرا ،وتطوير الرسائل المناسبة لكل فئة من فئات
المجتمع ،والاستفادة من البيانات والإحصاءات الرسمية ،وتقييم
ومن هنا فإن المسؤولية الإعلامية تفرض على المؤسسات
نتائج الحملات الإعلامية وقياس مدى تأثيرها في السلوك.
الإعلامية أن تنظر إلى مكافحة الجريمة باعتبارها قضية وطنية كما أن الجامعات والمؤسسات التعليمية يمكن أن تكون
شريًًكا فاعاًلا في هذه المنظومة ،من خلال الدراسات والبحوث
مستمرة ،لا مادة إخبارية عابرة ،فكل تقرير توعوي يمكن أن التي تساعد على فهم أسباب الجريمة والعوامل المؤدية إليها،
وتقييم أثر الحملات التوعوية ،واقتراح وسائل جديدة للوقاية،
يحمي أسرة ،وكل رسالة صحيحة يمكن أن تمنع عملية احتيال، ويمكن للإعلام أن يحول نتائج هذه الدراسات إلى محتوى مبسط
يصل إلى الجمهور ،وبذلك تتكامل المعرفة الأكاديمية مع
وكل محتوى يرسخ قيمة النزاهة يمكن أن يسهم في الحد من
الرشوة ،وكل حملة توعوية ضد المخدرات يمكن أن تحمي شاًًبا الممارسة الإعلامية والجهود الأمنية.
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم (إعلام
من مستقبل مظلم.
إن الإعلام الذي يضع المصلحة العامة فوق الإثارة ،والمعلومة
الموثوقة فوق الشائعة ،والوقاية فوق مجرد نقل الحدث،
يستطيع أن يكون قوة حقيقية في حماية المجتمع ،ولذلك فإن
ايتستطخلداب إم اعللتا ًًقمنايأة،كثروأوكثعًًريات بعاالو ًًمناتغميراع الت اجلإهاجرتا امليمة،ختوأصكثة،ر
المستقبل
قدرة على
وأكثر قرًًبا من احتياجات المجتمع.
وفي النهاية ،فإن مكافحة الجريمة لا تبدأ فقط من رجل
الأمن أو المحقق أو القاضي ،بل تبدأ من وعي الإنسان ،والوعي يبدأ
بالمعلومة الصحيحة ،والمعلومة تصل إلى المجتمع عبر قنوات
متعددة ،وفي مقدمتها الإعلام ،ولذلك فإن الإعلام ليس مجرد
مرآة تعكس ما يحدث في المجتمع ،بل يمكن أن يكون أداة
فاعلة في تغيير السلوك ،وبناء القيم ،وتعزيز المسؤولية ،وحماية
المجتمع.
إن الكلمة الإعلامية الواعية قد تمنع جريمة ،والمعلومة
الصحيحة قد تنقذ ضحية ،والرسالة الصادقة قد تحمي أسرة،
والحملة التوعوية المتقنة قد تسهم في بناء جيل أكثر وعًًيا
وقدرة على مواجهة المخاطر ،ومن هنا فإن الإعلام في
مكافحة الجريمة ليس دو ًًرا هامشًًيا ،بل هو شريك أساسي في
صناعة الأمن ،وبناء الوعي ،وتعزيز النزاهة ،وحماية المجتمع.
157

